تابع – سورة البقرة
وكل صفة من هذه الصفات - كما رأينا - ذات قيمة في الحياة الإنسانية , ومن ثم كانت هي صفات المتقين . وهناك تساوق وتناسق بين هذه الصفات جميعا , هو الذي يؤلف منها وحدة متناسقة متكاملة . فالتقوى شعور في الضمير , وحالة في الوجدان , تنبثق منها اتجاهات وأعمال ; وتتوحد بها المشاعر الباطنة والتصرفات الظاهرة ; وتصل الإنسان بالله في سره وجهره . وتشف معها الروح فتقل الحجب بينها وبين الكلي الذي يشمل عالمي الغيب والشهادة , ويلتقي فيه المعلوم والمجهول . ومتى شفت الروح وانزاحت الحجب بين الظاهر والباطن , فإن الإيمان بالغيب عندئذ يكون هو الثمرة الطبيعية لإزالة الحجب الساترة , واتصال الروح بالغيب والاطمئنان إليه . ومع التقوى والإيمان بالغيب عبادة الله في الصورة التي اختارها , وجعلها صلة بين العبد والرب . ثم السخاء بجزء من الرزق اعترافا بجميل العطاء , وشعورا بالإخاء . ثم سعة الضمير لموكب الإيمان العريق , والشعور بآصرة القربى لكل مؤمن ولكل نبي ولكل رسالة . ثم اليقين بالآخرة بلا تردد ولا تأرجح في هذا اليقين . . وهذه كانت صورة الجماعة المسلمة التي قامت في المدينة يوم ذاك , مؤلفة من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار . وكانت هذه الجماعة بهذه الصفات شيئا عظيما . شيئا عظيما حقا بتمثل هذه الحقيقة الإيمانية فيها .
ومن ثم صنع الله بهذه الجماعة أشياء عظيمة في الأرض , وفي حياة البشر جميعا . . ومن ثم كان هذا التقرير:
(أولئك على هدى من ربهم , وأولئك هم المفلحون). .
وكذلك اهتدوا وكذلك أفلحوا . والطريق للهدى والفلاح هو هذا الطريق المرسوم .
( يتبع )
|