تابع - سورة النساء
سابعاً: أبرزت السورة الكريمة أهمية مقصد الجهاد في سبيل الله؛ دفاعاً عن مقومات هذا الدين من جانب، وتبليغه للناس كافة من جانب آخر. وذمت كل من يتقاعس عن أداء هذا الواجب، ما دام قادراً على القيام بأعبائه، ومالكاً لمستلزماته.
ثامناً: قصدت السورة إلى تصحيح العقيدة في الله للبشر أجمعين؛ وإنقاذها من كل انحراف، وكل اختلال، وكل غلو، وكل تفريط؛ وذلك ببيان حقيقة المسيح عيسى بن مريم، وأنه عبد الله ورسوله، وإقامة الحجة على النصارى، وإبطال عقيدة التثليث، وإثبات الوحدانية لله سبحانه، وبيان أن محمداً رسوله تعالى، وكتابه نور، ودعوة الناس كافة إلى الاهتداء بهما، ووعد من اعتصم بهذا الكتاب بالرحمة والفضل الإلهيين، وهداية الصراط المستقيم الذي يصل سالكه إلى سعادة الدارين.
تاسعاً: مقصد بيان أن أمر النجاة في الآخرة منوط بالإيمان والعمل، لا بالأماني والانتساب إلى دين شريف ونبي مرسل، أرشد لهذا المقصد قوله سبحانه: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا} (النساء:123).
عاشراً: مقصد إقامة الحجة على صحة نبوة خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، بكون وحيه إليه كوحيه إلى من قَبله منهم، وكونه بُعِثَ إلى الناس كافة، ودعوة الناس كافة إلى الإيمان به.
وعلى الجملة، فقد تضمنت هذه السورة الكريمة -وهي ثاني سور القرآن من حيث الطول-جملة من المقاصد التي تتعلق بتقرير عقيدة التوحيد، وعقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر، وبرسالة خاتم الأنبياء والمرسلين، وحقيقة عيسى عليه السلام، وأنه عبد الله ورسوله، إضافة إلى بيان مقاصد أخرى تتعلق بالجانب الأسري، والجانب الاجتماعي، وجانب السلطة السياسية، وجانب العلاقات الدولية، وغير ذلك من المقاصد التي حفلت بها هذه السورة الكريمة.
فضائل السورة
وردت بعض الأحاديث والآثار التي تبين فضل هذه السورة، من ذلك:
- ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (اقرأ علي)، قلت يا رسول الله: آقرأ عليك، وعليك أُنزل؟ قال: (نعم)، فقرأت سورة النساء، حتى أتيت إلى هذه الآية: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} (النساء:41)، قال: (حسبك الآن) فالتفتُ إليه، فإذا عيناه تذرفان.
وروى الطبراني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: (إن في النساء لخمس آيات ما يسرني بهن الدنيا وما فيها، وقد علمت أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} (النساء:31)، وقوله: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} (النساء:40)، وقوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء:48)، {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} (النساء:64)، وقوله: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} (النساء:110). قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
وروى القاسم بن سلام في كتابه (فضائل القرآن) عن سعيد بن جبير، قال: قال لي عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (من قرأ البقرة وآل عمران والنساء في ليلة، كان أو كُتب من القانتين).
وروى الدارمي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: (من قرأ آل عمران فهو غني، والنساء محبِّرة). ومعنى: محبِّرة: مزيِّنة.
( يتبع - سورة المائدة )
|