تابع - سورة الأنعام
من أهم محاور السورة:
- المحور الأول: خاطبت سورة الأنعام الوثنيين الجاحدين لألوهية الله تعالى، فأفاضت في إقامة الدلائل والبراهين على قدرته ووحدانيته {خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}، ثم ثنت بذكر شهادته تعالى على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}، وثلثت بموقف المنكرين للقرآن المكذبين للوحي {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي أذانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إذا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}، وذكرت ما يؤول إليه أمرهم من الحسرة الشديدة والندامة القاتلة يوم القيامة {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيات رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا}، وكذلك تكون نهاية كل متعصب للباطل جامد على الضلال مقاوم لكل صيحة تحرر من أغلال الخرافة.
- المحور الثاني: تميزت سورة الأنعام بكثرة التقريرات والتلقينات لاستنقاذ العقول من مهاوي الإلحاد ومهابط الخرافة {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}، واعتمدت أسلوب تبيان المرض {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ}، وأما الكافرون فهم بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون ولا يستجيبون { وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}، فلم يغب أبدا عن كبراء المشركين أنه الحق ولكنهم كانوا يخدعون جماهيرهم لحفظ امتيازاتهم {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيات اللّهِ يَجْحَدُونَ}، وكشفا لما تعلقوا به من شبه في مهيعهم ذلك تورد السورة متعلقهم {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ}، ثم تأتي بالرد المفحم الذي يتناسب معه {قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}، وهكذا وعلى هذا النمط يتواصل أسلوبها في ذكر الشبهة وإبطالها بما لا مزيد عليه، فحين بينت أن إعراض المشركين عن القرآن وعن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم منشؤه ظلمات الجهل التي يتخبطون فيها {وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآياتنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ}، بينت أن النذارة بالقرآن إنما يستفيد منها أهل الخشية والإيمان {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}.
- المحور الثالث: لقد وردت كلمة {قل} أربعاً وأربعين مرة إسعافاً من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم للرد على مخالفيه كسباً للمعركة الدائرة بين الحق والباطل، تقريرا لأمر النبوة، وتبيانا للدلائل الدالة على وجود الصانع، وكمال علمه وحكمته وقدرته، تنبيهاً على أن المقصود الأصلي من جميع المباحث العقلية والنقلية، وكل المطالب الحكمية إنما هو معرفة الله بذاته وصفاته وأفعاله برهانا على وجوده ووحدانيته، وإرشادا إلى معرفة صفاته القدسية، في كمال علمه، وجليل قدرته، وعظمة سلطانه، وسابغ جلاله، إنها صفات الكمال والجمال تعانقها آيات العظمة والجلال، تتراءى عيانا في خلقه البديع لذرات الكون وعلمه المحيط بكل شيء {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}، وتتماثل للناظرين في نعمه الجليلة على العباد بإنجائهم من الشداند {قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَاذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ}،
وترفع معالمها قدرته جلت عظمته على الانتقام ممن خالف أمره وعصى رسله عليهم السلام {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْس بَعْضٍ}.
( يتبع )
|