تابع – سورة فصلت
محاور مواضيع السورة :
- هذه السورة الكريمة مكية وهى تتناول جوانب العقيدة الإسلامية : الوحدانية والرسالة والبعث والجزاء وهي الأهداف الأساسية لسائر السور المكية التي تهتم بأركان الإيمان .
- ابتدأت السورة الكريمة بالحديث عن القرآن المنزل من عند الرحمن، بالحجج الواضحة، والبراهين الساطعة الدالة على صدق محمد -صلى الله عليه وسلم-، فهو المعجزة الدائمة الخالدة للنبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-: (حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [فصلت:1-3]، أي: كتاب جامع للمصالح الدينية، بينت معانيه ووضحت أحكامه بطريقة القصص والمواعظ والحكم والأمثال، في غاية البيان.
(بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ)، أي: مبشراً للمؤمنين بجنات النعيم، ومنذراً للكافرين بعذاب الجحيم، فأعرض أكثر المشركين عن تدبر آياته مع كونه نزل بلغتهم فهم لا يسمعون سماع تفكر وتأمل.
(وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ)، أي: قالوا ذلك للرسول -صلى الله عليه وسلم- حين دعاهم إلى الإيمان، (وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ)، أي: وفي أذاننا صمم وثقل يمنعنا من فهم ما تقول، (وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ)، أي: وبيننا وبينك يا محمد حاجز يمنع أن يصل إلينا شيء مما تقول، (فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ)، أي: اعمل أنت على طريقتك ونحن نعمل على طريقتنا، واستمر على دينك فإنا مستمرون على ديننا.
(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، أي: قل للمشركين يا محمد لست إلا بشراً مثلكم خصَّني الله بالرسالة والوحي وأن أدعوكم إلى توحيد خالقكم فلا داعي إلى تكذيبي، (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ)، أي: توجهوا إليه بالاستقامة على التوحيد والإخلاص في الأعمال، واسألوه المغفرة لسالف الذنوب.
(وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)، أي: دمار وهلاك للمشركين الذين لا يعقلون الخير، ولا يتصدقون ولا ينفقون في طاعة الله، وهم بالآخرة وما فيها من جزاء وحساب وبعثة ونشور مكذبون.
- ثم ذكر الله سبحانه حال المؤمنين بعد ذكره لحال الكافرين فقال: (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)، أي: إن الذين جمعوا بين التصديق بالله والعمل الصالح لهم أجر دائم غير مقطوع عند ربهم، مستمر بدوام الجنة.
- ثم انتقلت السورة للحديث عن مشهد الخلق الأول للحياة، خلق السماوات والأرض بذلك الشكل الدقيق المحكم، الذي يلفت أنظار المعرضين عن آيات الله، والنظر والتفكر والتدبر، ولكن ظلمات الكفر تحول بينهم وبين الإيمان، فالكون كله نطَّاقٌ بعظمة الله، شاهد بوحدانيته -جل وعلا-.
(قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ)، أي: كيف تكفرون بالله العلي الشأن، القادر على كل شيء؟ خلق الأرض على كبرها في يومين! وتجعلون له شركاء وأمثالاً تعبدونها معه، ذلك الخالق المبدع هو رب العالمين كلهم، فيكف يجوز جعل الأصنام والأوثان التي لا تنفع ولا تضر ولا تقدر على شيء شركاء له في الألوهية والعبودية؟.
(وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ)، أي: جعل في الأرض جبالاً ثوابت لئلاً تميد بالبشر، وأكثر خيرها بما جعل فيها من المياه والزروع والضروع، وقدر أرزاق أهلها ومعاشهم في تمام أربعة أيام كاملة مستوية بلا زيادة ولا نقصان، وهذا بيان للسائلين عن مدة خلق الأرض وما فيها.
(ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ)، أي: عمَد إلى خلقها وقصَد إلى تسويتها وهي بهيئة الدخان، قال ابن كثير رحمه الله: المراد بالدخان بخار الماء المتصاعد منه حين خلقت الأرض. (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا)، أي: استجيبا لأمري طائعين أو مكرهتين، (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)، أي: أتينا لأمرك طائعيْن.
(فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ)، أي: صنعهن وأبدع خلقهن سبع سماوات في وقت مقدر بيومين، فتم خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ولو شاء لخلقهن بلمح البصر، ولكن الله سبحانه أراد أن يعلم عباده الحلم والأناة، (وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا)، أي: أوحى في كل سماء ما أراده وما أمر فيها، (وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا)، أي: وزينا السماء الأولى القريبة منكم بالكواكب المنيرة المشرقة على الأرض، وحرساً من الشياطين أن تستمع إلى الملأ الأعلى، (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ).
( يتبع )
|