تابع – سورة الملك
ثم يلمس قلوبهم لمسة أخرى تعود بهم إلى مشهد البأس والفزع من الخسف والحاصب ، بعد أن جال بهم هذه الجولة مع الطير السابح الآمن. فيردد قلوبهم بين شتى اللمسات عودا وبدءا كما يعلم اللّه من أثر هذا الترداد في قلوب العباد :
«أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ؟ إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ» ..
وقد خوفهم الخسف وخوفهم الحاصب ، وذكرهم مصائر الغابرين الذين أنكر اللّه عليهم فأصابهم التدمير.
فهو يعود ليسألهم : من هو هذا الذي ينصرهم ويحميهم من اللّه ، غير اللّه؟ من هو هذا الذي يدفع عنهم بأس الرحمن إلا الرحمن؟ «إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ» .. غرور يهيئ لهم أنهم في أمن وفي حماية وفي اطمئنان ، وهم يتعرضون لغضب الرحمن وبأس الرحمن ، بلا شفاعة لهم من إيمان ولا عمل يستنزل رحمة الرحمن.
ولمسة أخرى في الرزق الذي يستمتعون به ، وينسون مصدره ، ثم لا يخشون ذهابه ، ثم يلجون في التبجح والإعراض :
«أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ؟ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ» ..
ورزق البشر كله - كما سلف - معقود بإرادة اللّه في أول أسبابه ، في تصميم هذا الكون وفي عناصر الأرض والجو. وهي أسباب لا قدرة للبشر عليها إطلاقا ، ولا تتعلق بعملهم بتاتا. فهي أسبق منهم في الوجود ، وهي أكبر منهم في الطاقة ، وهي أقدر منهم على محو كل أثر للحياة حين يشاء اللّه.
فمن يرزق البشر إن أمسك الماء ، أو أمسك الهواء ، أو أمسك العناصر الأولى التي منها ينشأ وجود الأشياء؟
إن مدلول الرزق أوسع مدى وأقدم عهدا وأعمق جذورا مما يتبادر إلى الذهن عند ما يسمع هذه الكلمة. ومرد كل صغيرة وكبيرة فيه إلى قدرة اللّه وقدره ، وإرساله للأسباب وإمساكها حين يشاء.
وفي هذا المدلول الكبير الواسع العميق تنطوي سائر المدلولات القريبة لكلمة الرزق ، مما يتوهم الإنسان أنها من كسبه وفي طوقه ، كالعمل ، والإبداع ، والإنتاج .. وكلها مرتبطة بقيام الأسباب والعناصر الأولى من جهة ومتوقفة على هبة اللّه للأفراد والأمم من جهة أخرى. فأي نفس يتنفسه العامل ، وأي حركة يتحركها ، إلا من رزق اللّه ، الذي أنشأه ، ومنحه المقدرة والطاقة ، وخلق له النفس الذي يتنفسه ، والمادة التي تحترق في جسده فتمنحه القدرة على الحركة؟ وأي جهد عقلي يبذله مخترع إلا وهو من رزق اللّه الذي منحه القدرة على التفكير والإبداع؟ وأي إنتاج ينتجه عامل أو مبدع إلا في مادة هي من صنع اللّه ابتداء ، وإلا بأسباب كونية وإنسانية هي من رزق اللّه أصلا؟ .. «أم من هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه؟!» ..
( يتبع )
|