تابع – سورة القلم
محور مواضيع السورة :
ثم يدعهم لذلك التهديد الرعيب! وفي ظل مشهد القيامة المكروب وظل هذا التهديد المرهوب يكمل الجدل والتحدي والتعجيب من موقفهم الغريب :
«أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ؟» ..
فثقل الغرامة التي تطلبها منهم أجرا على الهداية هو الذي يدفعهم إلى الإعراض والتكذيب ، ويجعلهم يؤثرون ذلك المصير البشع ، على فداحة ما يؤدون؟! «أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ؟» ..
ومن ثم فهم على ثقة مما في الغيب ، فلا يخيفهم ما ينتظرهم فيه ، فقد اطلعوا عليه وكتبوه وعرفوه؟ أو أنهم هم الذين كتبوا ما فيه. فكتبوه ضامنا لما يشتهون؟
ولا هذا ولا ذاك؟ فما لهم يقفون هذا الموقف الغريب المريب؟! وبذلك التعبير العجيب الموحي الرعيب : «فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ» .. وبالإعلان عن خطة المعركة والكشف عن سنة الحرب بين اللّه وأعدائه المخدوعين .. بهذا وذلك يخلي اللّه النبي - صلى اللّه عليه وسلم - والمؤمنين من المعركة بين الإيمان والكفر. وبين الحق والباطل. فهي معركته - سبحانه - وهي حربه التي يتولاها بذاته.
والأمر كذلك في حقيقته ، مهما بدا أن للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - وللمؤمنين دورا في هذه الحرب أصيلا.
إن دورهم حين ييسره اللّه لهم هو طرف من قدر اللّه في حربه مع أعدائه. فهم أداة يفعل اللّه بها أو لا يفعل.
وهو في الحالين فعال لما يريد. وهو في الحالين يتولى المعركة بذاته وفق سنته التي يريد.
وهذا النص نزل والنبي - صلى اللّه عليه وسلم - في مكة ، والمؤمنون معه قلة لا تقدر على شيء. فكانت فيه الطمأنينة للمستضعفين ، والفزع للمغترين بالقوة والجاه والمال والبنين. ثم تغيرت الأحوال والأوضاع في المدينة.
وشاء اللّه أن يكون للرسول ومن معه من المؤمنين دور ظاهر في المعركة. ولكنه هنا لك أكد لهم ذلك القول الذي قاله لهم وهم في مكة قلة مستضعفون. وقال لهم وهم منتصرون في بدر : «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ، وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ، وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً ، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» ..
وذلك ليقر في قلوبهم هذه الحقيقة. حقيقة أن المعركة معركته هو سبحانه. وأن الحرب حربه هو سبحانه.
وأن القضية قضيته هو سبحانه. وأنه حين يجعل لهم فيها دورا فإنما ذلك ليبليهم منه بلاء حسنا. وليكتب لهم بهذا البلاء أجرا. أما حقيقة الحرب فهو الذي يتولاها. وأما حقيقة النصر فهو الذي يكتبها .. وهو سبحانه يجريها بهم وبدونهم. وهم حين يخوضونها أداة لقدرته ليست هي الأداة الوحيدة في يده! وهي حقيقة واضحة من خلال النصوص القرآنية في كل موضع ، وفي كل حال ، وفي كل وضع. كما أنها هي الحقيقة التي تتفق مع التصور الإيماني لقدرة اللّه وقدره ، ولسنته ومشيئته ، ولحقيقة القدرة البشرية التي تنطلق لتحقيق قدر اللّه .. أداة .. ولن تزيد على أن تكون أداة ..
وهي حقيقة تسكب الطمأنينة في قلب المؤمن ، في حالتي قوته وضعفه على السواء. ما دام يخلص قلبه للّه ، ويتوكل في جهاده على اللّه. فقوته ليست هي التي تنصره في معركة الحق والباطل والإيمان والكفر ، إنما هو اللّه الذي يكفل له النصر. وضعفه لا يهزمه لأن قوة اللّه من ورائه وهي التي تتولى المعركة وتكفل له النصر.
ولكن اللّه يملي ويستدرج ويقدر الأمور في مواقيتها وفق مشيئته وحكمته ، ووفق عدله ورحمته.
( يتبع )
|